حبيب الله الهاشمي الخوئي
3
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرّه أجله ، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ، ألا وإنّي لم أر كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ، ألا وأنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى يجرّ به الضّلال إلى الرّدى ، ألا وإنّكم قد أمرتم بالظَّعن ودلَّلتم على الزاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل ، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تجهزون « تحرزون خ » به أنفسكم غدا . قال الرضيّ « قد » أقول : لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الرّهد في الدّنيا ويضطرّ إلى عمل الآخرة ، لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلايق الآمال ، وقادحا زناد الاتعاظ والازدجار ، ومن أعجبه قوله عليه السّلام : ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق والسّبقة الجنّة والغاية النّار ، فانّ فيه مع فخامة اللَّفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل وواقع التّشبيه ، سرّا عجيبا ومعنى لطيفا ، وهو قوله عليه السّلام : والسّبقة الجنّة والغاية النّار ، فخالف بين اللَّفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : السّبقة النّار كما قال : والسّبقة الجنّة . لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنّة ، وليس هذا المعنى موجودا في النّار نعوذ باللَّه منها فلم يجز أن يقول : والسّبقة النّار ، بل قال : والغاية النار ، لأنّ الغاية قد ينتهى إليها من لا يسرّه الانتهاء ومن يسرّه ذلك ، فصلح أن يعبرّ بها عن الأمرين معا . فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل قال اللَّه تعالى : * ( « وَجَعَلُوا لِلَّه ِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ » ) * ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم بسكون الباء إلى النّار فتأمّل ذلك ، فباطنه عجيب وغوره بعيد لطيف ، وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام .